في بيئة العمل، نردد دائماً شعارات تحفز على الإنتاجية والذكاء في العمل ونُشجع الموظفين على تطوير مهاراتهم، واختصار الأوقات، وابتكار حلول ترفع من جودة المخرجات لكن خلف هذه الشعارات البراقة، تكمن ظاهرة مسكوت عنها، بدأت تلتهم شغف الكفاءات الكبرى في صمت، وهي ما يمكن أن نسميها “ضريبة الكفاءة“.
ما هي ضريبة الكفاءة؟
ضريبة الكفاءة ليست مبلغاً يُستقطع من الراتب، بل هي ضريبة تُدفع من وقت الموظف المتميز، وجهده، وسلامته النفسية وهي تلك “العقوبة الخفية” التي تُفرض على الشخص الذي ينهي مهامه بسرعة ودقة تفوق أقرانه؛ فبدلاً من أن يحصل على وقت للراحة أو مكافأة على سرعته، تُكافئه الإدارة بـ “المزيد من العمل “في هذه البيئة، يصبح الجزاء من جنس العمل، لكن بطريقة عكسية: “كلما كنت بارعاً، زاد حِملك“.
المفارقة الصادمة: عقاب المبدع ومكافأة المتواكل
تخلق ضريبة الكفاءة مفارقة أخلاقية وإدارية خطيرة داخل الفريق. لنفترض أن هناك موظفين في نفس القسم؛ الأول موظف كفء ينهي عمله في نصف الوقت المحدد، والثاني موظف متواكل أو بطيء يحتاج لضعف الوقت. في الإدارات التقليدية، يلجأ المدير فوراً للموظف الأول لإسناد مهام إضافية إليه (لأنه يضمن النتائج معه)، بينما يُترك الموظف الثاني في منطقة الراحة لأنه “لا يُعتمد عليه”.
هنا، يشعر الموظف الكفء بمرارة الظلم؛ فهو يُعاقب على ذكائه واجتهاده، بينما يُكافأ زميله المقصر بالراحة. هذه الممارسة تدمر مبدأ “عدالة الإجراءات“، وتزرع بذور الإحباط التي تتحول لاحقاً إلى عداء صامت تجاه الإدارة والمنظمة.
تأثير ضريبة الكفاءة على بيئة العمل
الأمر ليس مجرد شعور فردي بالاستياء، بل هو خلل هيكلي تؤكده الدراسات العالمية:
ظاهرة “الاستقالة الصامتة“: أشارت تقارير إدارية رصينة من جامعة هارفارد إلى أن الموظفين الأكفاء الذين يشعرون بأنهم “مستغلون” يبدأون لا شعورياً بخفض جودة أدائهم. هم لا يستقيلون جسدياً، لكنهم يستقيلون “نفسياً”؛ حيث يقررون العمل بالحد الأدنى المطلوب فقط لحماية أنفسهم من تراكم المهام الإضافية.
الاحتراق الوظيفي السريع: وفقاً لتقارير مجلة فوربس، فإن الموظفين الأكثر كفاءة هم الأكثر عرضة للاحتراق الوظيفي بنسبة تصل إلى 30% مقارنة بغيرهم. والسبب هو “توقعات المنقذ”؛ حيث تعتمد عليهم الإدارة في كل أزمة، مما يجعلهم في حالة طوارئ دائمة دون فترات تعافي.
قتل روح الابتكار: عندما يدرك الموظف أن ابتكار طريقة أسرع لإنهاء العمل سيجلب له مهاماً جديدة فقط، فإنه يتوقف عن الابتكار. تشير أبحاث من جامعة ستانفورد إلى أن ضريبة الكفاءة تخلق بيئة “تثبط” التحسين المستمر، لأن الموظف يرى أن الكفاءة العالية هي طريق قصير نحو الإرهاق.
الأبعاد النفسية والاجتماعية
تؤدي ضريبة الكفاءة إلى تآكل الأمان النفسي يشعر الموظف المتميز أنه “مطارد” بمهام الآخرين، ويبدأ زملاؤه بالاتكال عليه كلياً، مما يخلق نوعاً من التطفل المهني. بمرور الوقت، يفقد الموظف شغفه، ويتحول العمل من ساحة للإبداع إلى عبء ثقيل يتطلب منه “تمثيل” الانشغال لكي لا يُكلف بمهام جديدة.
كيف نعالج “ضريبة الكفاءة”؟
إن استمرار الإدارة في فرض هذه الضريبة يعني خسارة “أصولها البشرية” الأكثر قيمة. الحل يكمن في تغيير فلسفة الإدارة من “مراقبة الحضور” إلى “تقدير الأثر”:
المكافأة بالمرونة: إذا أنهى الموظف عمله بذكاء وسرعة، يجب أن تكون مكافأته هي “الوقت” والسماح له بالمغادرة مبكراً أو منحه ساعات راحة إضافية هو الحافز الأكبر للاستمرار.
إعادة توزيع الأحمال بعدالة: يجب على القائد ألا يستسهل إلقاء المهام على “الشخص المعتاد”. تطوير الموظفين الأقل كفاءة هو واجب إداري لضمان عدم احتراق النجوم.
الترقية والنمو الوظيفي: الكفاءة المستمرة يجب أن تُترجم إلى مسار مهني واضح (ترقية، زيادة راتب، مسمى وظيفي جديد)، وليس مجرد زيادة في المهام الجانبية.
وضع حدود واضحة للأدوار: استخدام الوصف الوظيفي بدقة لضمان عدم ذوبان مسؤوليات الموظف الكسول في جدول الموظف المجتهد.
إن الكفاءة هي العملة الصعبة في سوق العمل اليوم، لكن إذا استمرت المؤسسات في التعامل مع المتميزين كـ “آلات لا تكل”، فإنها تدفعهم دفعاً نحو الانهيار أو الرحيل للمنافسين. النجاح الحقيقي للمؤسسة لا يُقاس بكمية العمل التي تستطيع “حشرها” في يوم الموظف المجتهد، بل بقدرتها على الحفاظ على توهج هذا الموظف واستدامة عطائه.
تذكروا دائماً: لا تعاقبوا من يركض بسرعة بإضافة أميال جديدة لسباقه، بل كافئوه بالوصول أولاً.

